محمد محمد أبو موسى

30

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

وهذا قاطع في أن الناس لن يفعلوا - أي لن يستطيعوا - أن يأتوا بسورة من مثله ، ولو وضعت ألسنة الخلق جميعا في فم رجل واحد كما كان يقول الرافعي رحمه اللّه . وقد اجتهد علماؤنا في بيان الشيء الذي به صار هذا الكلام العربي مغايرا لكلام البشر ومعجزا للبشر ، مع أن ألفاظه من ألفاظهم ، وتراكيبه من تراكيبهم ، وذهبوا في ذلك مذاهب لا تخفى على أهل العلم ، وانما أردت في هذه المقدمة أن أدل على واحد منها لم تتعاوره أقلام الباحثين كما تعاورت غيره ، مع أنه من أدق ما قيل في هذا الباب وألطفه وأفضله ، وأحكمه ، ولعل دقته ولطافة مسلكه وصعوبة تحليله من أهم أسباب خفائه . والمدقق في تحليل كلام علمائنا في هذا الباب يجد كلامهم قد بدأ من القرن الثالث وهو في قضية الاعجاز يتجه وجهتين : وجهة نبحث عناصر البلاغة المشتركة بين القرآن وكلام الناس من شعر وخطب ووصايا وغير ذلك ، ثم تدل على أن هذه العناصر في القرآن بلغت من الدقة والسمو والغزارة والإصابة مبلغا يفوت الكلام كله ، ويقطع أطماع أصحابه ، ويقهر قواهم ، ويقضى عليهم بالعجز الشامل المطبق الذي تستوى فيه الأقدام ، فإذا كانت البلاغة في الشعر والأدب تدور حول التشبيهات والمجازات والأمثال ، والكنايات وفنون النظم ، فان هذه الفنون نفسها هي التي بنى عليها القرآن لأنها أصول بلاغة اللسان ، ولكنها في القرآن شئ ، وفي الشعر والأدب شئ آخر . فإذا جمعت ما دبجته ألسنة الشعراء من فائق التشبيهات وراقك ذلك وحسن عندك وكثر بين يديك ، ثم وضعت بإزائه واحدا من تشبيهات القرآن رأيت البلاغة العالية في الأدب والشعر منطفئا ضياؤها وكأن شرط بهائها ألا توضع بإزاء القرآن . وهذا هو الوجه الشائع والمشهور في كتب البلاغة والتفسير ، وهو الذي كان يمضى عليه أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري رحمه اللّه